محمد جواد مغنية

86

عقليات إسلامية

القرود واشعار شكسبير : واستدل متفلسف في القرن العشرين على صحة قانون الصدفة - بأنه لو فرضنا ان عددا من القرود ضربوا أجيالا طويلة على آلات كاتبة ، لوجدنا بين ما خطته كلّ اشعار شكسبير ، وهكذا حدث نظام الكون بعد الحركة العشوائية التي طرأت على الأثير . ونقول في رده : ان هذا الفرض ليس ضروريا ، بل الأقرب إلى إلفة العقل أن لا نجد في خطوط القرود عينا ولا أثرا لأشعار شكسبير . . ولو سلمنا جدلا بهذا الفرض لوجدنا إلى جانب اشعار شكسبير ملايين الخطوط بلا هدى ومعنى مع العلم بأن ما من شيء في هذا الكون الكبير العظيم الا بتقدير محكم ، ونظام مستمر بحيث لو زحزح عنه لانفرط عقد الكون وتناثر . وتسأل : إذا كان اللّه أوجد الكون ممن الذي أوجد اللّه سبحانه ؟ . الجواب : ان الكون المستمر التغيير والتطور لا بد أن ينتهي إلى علة أولية قائمة بذاتها ، لأن تسلسل العلل إلى غير نهاية يرفضه العقل ولا يألفه ، ولو احتاج كل شيء في وجوده إلى علة لاستحال ان يوجد شيء على الاطلاق . وبقي العالم طي العدم والكتمان . . وبكلام آخر كل ما لا يحمل في طبيعته السبب الكافي لوجوده لا بد ان ينتهي إلى موجود يحمل في طبيعته سببا كافيا وافيا لوجوده . وبهذا يتبين معنا مكان الخطأ في قول من قال : يستحيل ان يوجد شيء من لا شيء . . إذا اعتبرنا هذا القول أصلا طبيعيا وقانونا حتميا يطرد في كل شيء ، بلا استثناء ، إذ يلزم ، والحال هذه ، أن لا يوجد شيء من الأساس مهما كان ويكون حتى هذا القول وقائله .